الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
349
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
كانوا ذاهلين عن أن الشعور به ما هو ، لما علمت من أنهم عالمون به بالعلم البسيط ، نعم قد يمنح الله تعالى بفضله لخواص أوليائه فهم ذلك . وقال هذا العارف : وإني لأسمع ذكر الأذكار ، وحمد المحامد وأرى من يذكر الله لا عن قلب حاضر بل عن خاطر متشتت ، وذكره يذكر الله ولا يشعر الذاكر به ، هذا كله تفسير لقوله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم 17 : 44 ، على صيغة الغائب ، أي كل شيء يسبح بحمده ، وإن كان لا يفهم تسبيحه ، لأنه عالم بالتسبيح بالعلم البسيط لا المركب ، فهو مسبح له تعالى غير شاعر بتسبيحه له تعالى ، وإن قرئت بصيغة الخطاب كما هو الظاهر المتعارف ، فالمعنى أنتم لا تفقهون تسبيحهم لانغماركم في الجهل والحجاب كما تقدم معناه . فتحصّل من الكل : أن الموجودات لها شعور ودرك ولو بالعلم بالبسيط ، وبهذا الاعتبار يسبح بحمد ربّه وكل منها قد علم صلاته وتسبيحه ، فعليه فلا ينكر على الحكيم القادر المتعال أن تكلَّفها بالتكليف الإلهي من قبول الولاية والتسبيح وأن يعرّفهم مقامات محمد وآله الطاهرين المختصة بهم . وأما المقام الثالث وهو أنه إذا عرف الكل مقامهم المحمود ، فكيف يرى في بعضهم بل في الكثير إنكار ذلك ؟ فنقول : ظاهر العبارة أنه تعالى بلطفه العميم عرف الكل ، أي كل الموجودات جلالة أمرهم بلسان الأنبياء ، وفي الكتب المنزلة عليهم ، أما الملائكة بأجمعها فقد علموا وعرفوا مقاماتهم وقبلوها كما مرّ مرارا ، وأما البشر فقد عرفهم لهم في عالم الأرواح وفي عالم الدنيا ، فمن قبلها منهم فقد فاز فوزا عظيما ، وأما من لم يقبل فهم على أقسام منهم من أقيمت عليه الحجة وثبتت لهم ، ولكن لانغمارهم في عالم النفس والطبيعة ، وتعلق قلوبهم بحبّ الدنيا ، وتكدّر قلوبهم برين المعاصي ، فقد جحدوها ظاهرا وإن استيقنتها أنفسهم بها لقيام الحجة عليهم . ففي تفسير نور الثقلين عن أصول الكافي ، عن أبي عبد الله عليه السّلام في بيان دعوة الكفر . . إلى أن قال عليه السّلام : " وأما الوجه الآخر من الجحود على معرفة وهو أن يجحد